تخيّل أنك دخلت غرفة العمليات، ونظرت حولك لتجد ذراعاً آلية بأصابع أدق من أصابع أمهر الجراحين تُعِد نفسها لإجراء عملية دقيقة في قلبك — بينما يجلس الطبيب على بُعد أمتار يتحكم فيها بواجهة إلكترونية متطورة. هذا المشهد لم يعد من عالم الخيال العلمي، بل هو واقع يحدث في المستشفيات الكبرى اليوم.
من أين بدأت القصة؟
في التسعينيات من القرن الماضي، بدأت الفكرة الأولى للجراحة الروبوتية تتشكّل في مختبرات ناسا والجيش الأمريكي — كانوا يحلمون بجراح يعالج جنديًا مصابًا في ميدان المعركة وهو يجلس على بُعد آلاف الكيلومترات. من هذا الحلم وُلد نظام "دافنشي" الجراحي، الذي أصبح اليوم أشهر نظام روبوتي في غرف العمليات حول العالم، وقد أُجريت بواسطته أكثر من 10 ملايين عملية جراحية حتى الآن.
ما الذي يجعل الروبوت أفضل من يد الجراح؟
لا يعني هذا أن الروبوت "يستبدل" الجراح — بل الأدق أنه يُضخّم قدراته بشكل مذهل. إليك كيف:
يد الإنسان مهما بلغت من الدقة تظل تُصيبها رعشة طفيفة طبيعية، أما الذراع الروبوتية فتتحرك بدقة تصل إلى أجزاء من الميليمتر دون أي اهتزاز. كذلك يمكن للروبوت أن يدخل بأدوات بالغة الصغر إلى مناطق يصعب الوصول إليها جراحيًا كمنطقة الحوض أو قاعدة الجمجمة، مما يعني شقوقاً أصغر، وتعافياً أسرع، وألماً أقل بعد العملية.
أما الجانب الأكثر إثارة، فهو دخول الذكاء الاصطناعي على الخط. فبعض الأنظمة الحديثة باتت تحلل صور الأشعة والمعطيات الحيوية للمريض لحظة بلحظة أثناء العملية، وتنبّه الجراح إذا اقتربت الأداة من منطقة خطرة — كأنها "مساعد غير مرئي" يراقب كل حركة.
قصص حقيقية تبهر العقل
في عام 2022، نجح فريق من جامعة جونز هوبكنز الأمريكية في تجربة مذهلة: روبوت يعمل باستقلالية شبه كاملة أجرى عملية وصل أمعاء دقيقة على خنزير — وهي من أصعب العمليات لأنها تتطلب خياطة دقيقة جداً — وجاءت نتائجه أفضل من نتائج الجراحين البشريين في المجموعة المقارنة. خطوة صغيرة في المختبر، لكنها قفزة عملاقة نحو المستقبل.
وفي سياق مختلف، استخدمت بعض المستشفيات في أوروبا روبوتات لإجراء عمليات جراحة العيون بدقة وصفها الأطباء بأنها "تتخطى حدود اليد البشرية"، مما فتح أبوابًا جديدة لعلاج حالات كانت تُعدّ بالغة الخطورة سابقاً.
وماذا عن العالم العربي؟
المنطقة العربية لا تقف متفرجة؛ فقد استثمرت المملكة العربية السعودية والإمارات بشكل كبير في هذه التقنيات ضمن رؤيتَي 2030، وتضم عدة مستشفيات كبرى في الرياض ودبي وأبوظبي أنظمة دافنشي الجراحية وغيرها. كما بدأت مصر والأردن في إدخال هذه التقنيات تدريجيًا، وإن كانت التكلفة العالية لا تزال تمثّل تحديًا حقيقيًا أمام انتشارها الواسع.
هل ثمة مخاوف؟
كأي تقنية عظيمة، لا تخلو القصة من علامات استفهام مشروعة. التكلفة الباهظة للأنظمة الروبوتية تجعلها بعيدة عن متناول كثير من المستشفيات في الدول النامية، مما قد يُعمّق الفجوة في جودة الرعاية الصحية بين دول الشمال والجنوب. كذلك يطرح البعض سؤالاً فلسفياً مهماً: إذا أخطأ الروبوت، من يتحمل المسؤولية — الجراح؟ الشركة المصنّعة؟ المستشفى؟ هذه أسئلة لا تزال تُناقَش على أعلى المستويات القانونية والأخلاقية.
الخلاصة: شريك لا بديل
الحقيقة التي يُجمع عليها معظم الخبراء هي أن الروبوت لن "يسرق" وظيفة الجراح، بل سيحوّله إلى ما هو أعظم — طبيب يمتلك قدرات خارقة، يتخذ قراراته بحكمة بشرية وينفّذها بدقة آلية. المستقبل ليس إنسانًا مقابل آلة، بل إنسان وآلة معًا في خدمة الحياة.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن عملية جراحية روبوتية، لا تتعجب — فقط تذكّر أن الطب البشري يكتب اليوم أحد أجمل فصوله.