الاكتئاب الموسمي: حين تسرق الفصول بهجتك وكيف تستعيدها

3 views

هل لاحظتَ يومًا أنك تشعر بثقلٍ غريب في نفسك مع اقتراب فصل الشتاء؟ تتراجع طاقتك، يصبح النهوض من الفراش مهمةً شاقة، وتجد نفسك تشتهي السكريات والنوم الطويل أكثر من المعتاد؟ إذا كان هذا حالك كل عام مع تغيّر الفصول، فأنت لستَ وحدك، وما تشعر به له اسم علمي دقيق: الاضطراب العاطفي الموسمي (SAD – Seasonal Affective Disorder)، أو ما يُعرف شعبيًا بـ"الاكتئاب الموسمي".


ما هو الاكتئاب الموسمي تحديدًا؟

الاكتئاب الموسمي ليس مجرد تقلّب مزاجي طبيعي أو "وسواس موسمي"، بل هو شكل معترف به طبيًا من أشكال الاكتئاب، يظهر في أوقات محددة من السنة ويتكرر بانتظام. في الغالب يبدأ في الخريف ويشتد في الشتاء، ثم يتلاشى تلقائيًا مع عودة الربيع والصيف. وتشير الإحصاءات إلى أن ما بين 1% إلى 6% من سكان العالم يعانون منه بصورة حادة، في حين يتأثر ما يصل إلى 20% بنسخة أخف منه تُعرف بـ"الكآبة الشتوية".


ماذا يحدث في الدماغ؟

الفهم العلمي لهذا الاضطراب رحلة رائعة داخل الكيمياء العصبية. حين تقصر ساعات النهار وتقل كمية الضوء التي تصل إلى عينيك، تحدث سلسلة من التغيرات البيولوجية:

أولًا: خلل في الميلاتونين الميلاتونين هو هرمون "الظلام"، يُفرزه الجسم ليُخبر دماغك أن الوقت وقت نوم. في فصل الشتاء، ومع قِصَر النهار، يُفرز الجسم كميات أكبر من الميلاتونين لساعات أطول، مما يُشعر الإنسان بالخمول والنعاس الدائم وضعف التركيز.

ثانيًا: نقص السيروتونين الضوء الطبيعي يُحفّز إنتاج السيروتونين، ذلك الناقل العصبي المسؤول عن الشعور بالسعادة والرضا. حين يقل الضوء، يقل السيروتونين، ومعه يتراجع المزاج ويزداد الشعور بالحزن والإحباط.

ثالثًا: اضطراب الساعة البيولوجية الساعة البيولوجية الداخلية لجسمك مضبوطة على إيقاع الضوء والظلام. في الشتاء، تختلط هذه الإشارات، فيجد دماغك صعوبة في تنظيم دورات النوم والاستيقاظ، وهو ما يُحدث فوضى في الطاقة والمزاج معًا.


كيف تعرف أنك مُصاب به؟

أبرز الأعراض التي تميّز الاكتئاب الموسمي عن مجرد الإرهاق أو الضجر:

  • شعور مستمر بالحزن أو الفراغ يمتد لأسابيع
  • فقدان الاهتمام بأنشطة كنت تستمتع بها
  • إرهاق مفرط ورغبة جامحة في النوم
  • زيادة في الشهية خاصة للنشويات والسكريات
  • صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات
  • شعور بعدم الجدوى أو اليأس
  • تجنّب التجمعات الاجتماعية والانعزال

الفارق الجوهري بينه وبين الاكتئاب الكلاسيكي هو دوريّته المرتبطة بالفصول، فهو يأتي في موعده ويرحل في موعده.


من هم الأكثر عرضة له؟

تكشف الدراسات عن أنماط مثيرة للاهتمام: النساء يُصبن به بنسبة أعلى من الرجال. الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الشمالية البعيدة عن خط الاستواء، حيث تشحّ ساعات الشمس شتاءً، هم الأكثر عرضة. كذلك من لديهم تاريخ عائلي مع الاكتئاب أو اضطرابات المزاج، وصغار البالغين بين العشرين والثلاثين من العمر.


طرق العلاج: أكثر مما تتخيل

الخبر السار أن الاكتئاب الموسمي من أكثر أنواع الاكتئاب استجابةً للعلاج، وخياراتك متعددة:

1. العلاج بالضوء (Light Therapy) هو الخيار الأول والأكثر فاعلية. يعتمد على الجلوس أمام مصباح خاص يُحاكي ضوء الشمس بشدة 10,000 لوكس لمدة 20-30 دقيقة يوميًا في الصباح الباكر. آلاف الدراسات تُثبت نجاعته في رفع مستوى السيروتونين وتعديل الساعة البيولوجية خلال أسبوع إلى أسبوعين.

2. العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT) يساعدك على تغيير أنماط التفكير السلبية المرتبطة بالموسم، وتطوير مهارات عملية للتعامل مع الأعراض.

3. الأدوية في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، قد يصف الطبيب مضادات اكتئاب من نوع SSRI التي ترفع مستوى السيروتونين.

4. تغييرات في نمط الحياة لا تستهن بقوة: ممارسة الرياضة في الهواء الطلق حتى في الأيام الغائمة، والحرص على التعرض لضوء النهار ولو لفترات قصيرة، وتنظيم مواعيد النوم، وإبقاء التواصل الاجتماعي حيًا رغم الرغبة في الانعزال.


رسالة ختامية

إذا كنتَ تقرأ هذه السطور وتجد فيها انعكاسًا لتجربتك الشخصية، فأوّل خطوة هي أن تعرف أن ما تشعر به حقيقي وله تفسير، وأنه ليس "ضعفًا" أو "مبالغة". الاكتئاب الموسمي حالة طبية تستحق الاهتمام والعلاج تمامًا كأي اضطراب جسدي آخر.

تحدّث مع طبيب أو متخصص نفسي، لا تنتظر حتى يمر الموسم على أمل أن الأمور "ستتحسن وحدها"، لأن العلاج المبكر يُقلل المعاناة ويُقصّر مدتها. وتذكّر: الربيع دائمًا قادم، لكنك لا تحتاج أن تنتظره لتشعر بالتحسن.

المكتوبات ذات الصلة

التعليقات

يرجى تسجيل الدخول للتعليق.