علم التخمير: كيف تحوّل الميكروبات طعامك إلى دواء وتجربة مذاق لا تُنسى

1 views

قبل أن يعرف الإنسان شيئًا عن البكتيريا أو الخلايا الحية أو علم الأحياء الدقيقة، كان يصنع الخبز المخمّر، ويدع الحليب يتحول إلى زبادي، ويحفر الأرض ليدفن فيها الملفوف. لم يكن يعرف "لماذا"، لكنه كان يعرف "أن ذلك يُقيم الطعم ويُطيل العمر ويُقوّي الجسم". اليوم، بعد قرون من البحث العلمي، نستطيع أن نشرح بدقة ما كان الأجداد يفعلونه بحدسهم: كانوا يمارسون فن التخمير، ذلك السحر الحي الذي يحوّل المكونات البسيطة إلى روائع غذائية وعلاجية في آنٍ واحد.


ما الذي يحدث حقًا عندما تُخمَّر الأطعمة؟

التخمير في جوهره هو عملية استيلاء الكائنات الحية الدقيقة، من بكتيريا وخمائر وفطريات، على المكونات الغذائية وتفكيكها وإعادة بنائها. لكن هذه الجملة الجافة لا تُعطي الصورة كاملة. دعنا نأخذ مثالًا حيًا: حين تضع الملفوف المبشور مع الملح في جرة مغلقة، يبدأ الملح بسحب الماء من خلايا الملفوف. هذا الماء يخلق بيئةً رطبة تُعيش فيها بكتيريا اللاكتوباسيلوس الموجودة طبيعيًا على سطح الخضار، وهذه البكتيريا تأكل السكريات وتُنتج حمض اللاكتيك الذي يحفظ الطعام ويمنحه طعمه الحامض المميز ويقتل البكتيريا الضارة. النتيجة؟ مخلل الملفوف أو "الساوركراوت" الذي صمد آلاف السنين كغذاء أساسي لحضارات من الصين إلى ألمانيا.

الرائع في الأمر أن هذه العملية لا تحفظ الطعام فحسب، بل تُحوّله كيميائيًا وتُضيف إليه خصائص جديدة لم تكن موجودة في المكون الأصلي.


ماذا يكسب طعامك من التخمير؟

أولًا: انفجار في البروبيوتيك البروبيوتيك هي البكتيريا الحية النافعة التي تسكن أمعاءنا وتُشكّل ما يُعرف بـ"الميكروبيوم". تناول الأطعمة المخمرة هو أفضل طريقة طبيعية لتعزيز هذا الميكروبيوم، لأنها تحمل مليارات البكتيريا الحية المُضافة إلى جيش المستعمرة البكتيرية في أمعائك. وهذا الجيش ليس مسؤولًا فقط عن الهضم، بل تُشير الأبحاث الحديثة إلى تأثيره العميق على المناعة والمزاج وحتى وضوح التفكير.

ثانيًا: تعزيز الامتصاص الغذائي من المفارقات المذهلة أن بعض الأطعمة تُصبح أكثر قابلية للامتصاص بعد التخمير لا قبله. فول الصويا على سبيل المثال، حين يتحول إلى تمبيه أو ميسو، تنكسر فيه مركبات "حمض الفيتيك" التي كانت تمنع امتصاص الحديد والزنك والمغنيسيوم. الخبز المصنوع بالعجين المخمر (Sourdough) يمتصه الجسم بصورة أبطأ وأفضل من الخبز العادي، مما يجعله أنسب لمن يُعانون من حساسية للجلوتين أو ارتفاع السكر في الدم.

ثالثًا: إنتاج فيتامينات جديدة بكتيريا التخمير كريمة: حين تُمارس عملها، تُنتج فيتامينات لم تكن موجودة أصلًا في الطعام، وأبرزها فيتامين K2 وعدة أنواع من فيتامينات B المعقدة. الكيمتشي الكوري مثلًا يحتوي بعد تخميره على مستويات أعلى بكثير من فيتامين C مقارنةً بالملفوف النيء الذي صُنع منه.

رابعًا: أعماق النكهة التي لا يمكن تقليدها هناك سبب وجيه لأن الجبن المعتّق أو الميسو الياباني أو صلصة السمك التايلاندية تحمل نكهات لا يمكن اختصارها أو تصنيعها. عملية التخمير تُنتج مئات المركبات العضوية المعقدة التي تتفاعل معًا لتخلق ما يُسميه علماء التذوق "الأوميامي"، الطعم الخامس العميق الذي لا ينساه الحنك.


جولة حول العالم مع أشهر الأطعمة المخمرة

الكيمتشي الكوري: الملفوف الصيني المخمر مع الفجل والثوم والزنجبيل ومعجون الفلفل الحار. ليس مجرد مقبلات، بل ركيزة ثقافية كورية حملت معها موروثًا صحيًا أثبتت الدراسات أنه يُسهم في تقليل الإصابة بالسرطانات الهضمية.

الميسو الياباني: معجون فول الصويا المخمر مع الملح وفطر الكوجي. ملعقة صغيرة منه تحوّل طبق الشعيرية البسيط إلى تجربة عمق لا تُنسى، وتحمل في طياتها إنزيمات هاضمة ومركبات مضادة للأكسدة.

الكفير: اللبن المخمر بحبوب الكفير يحتوي على تنوع بكتيري يفوق الزبادي العادي بمراحل. أصله من جبال القوقاز حيث يُنسب السكان إلى عادة شرب الكفير عمرهم الطويل.

الكومبوشا: الشاي المحلّى المخمر بـ"الأم" (مستعمرة البكتيريا والخمائر). تجده اليوم في كل متجر صحي حول العالم بعد أن كان مقتصرًا على الصين القديمة وروسيا.

الخبز بالعجين المخمر (Sourdough): العودة الكبرى لهذا الخبز ليست موضةً، بل ثورة غذائية. تخمير العجين لساعات أو أيام يكسر الجلوتين جزئيًا ويرفع القيمة الغذائية ويجعل الرغيف أكثر سهولةً في الهضم.


كيف تبدأ رحلتك مع التخمير في البيت؟

الخبر الرائع أن التخمير ليس حكرًا على المطابخ الاحترافية أو المصانع الكبيرة، بل هو من أبسط المهارات التي يمكنك تعلمها في بيتك.

ابدأ بالزبادي: إذا كان لديك حليب وملعقة من الزبادي الطازج، فلديك كل ما تحتاجه. دفئ الحليب إلى 43 درجة مئوية، أضف ملعقة من الزبادي كبادئ، ضعه في وعاء دافئ لثماني ساعات، والنتيجة زبادي طازج مليء بالبروبيوتيك الحي.

جرّب المخلل السريع: ملفوف مبشور مع ملح البحر الخشن (2% من وزن الخضار) في جرة زجاجية مغلقة في مكان دافئ لثلاثة إلى خمسة أيام. لا حاجة للخل ولا للمُعقّمات، فقط الملح والوقت والبكتيريا الطبيعية.

توابل مهمة: استخدم أواني زجاجية نظيفة، تجنب ملامسة الخضار للهواء أثناء التخمير، وثق بحواسك، فإذا بدت الرائحة كريهة بشكل غير طبيعي وليس مجرد حامضة، فذلك يعني أن شيئًا لم يسِر على ما يُرام.


التخمير والعلم: ما الذي تقوله الأبحاث الحديثة؟

خلال العقد الأخير، انفجر الاهتمام العلمي بالميكروبيوم والأطعمة المخمرة. إحدى الدراسات اللافتة التي نشرتها مجلة Cell عام 2021 أثبتت أن تناول الأطعمة المخمرة لمدة عشرة أسابيع أدى إلى تعزيز ملحوظ في تنوع ميكروبيوم الأمعاء وتقليل علامات الالتهاب في الجسم، وذلك بصورة أفضل حتى من اتباع نظام غذائي غني بالألياف.

ويمتد الأثر إلى ما هو أبعد من الأمعاء: يُشير الباحثون إلى "المحور المعوي الدماغي"، وهو خط تواصل مباشر بين الأمعاء والدماغ عبر العصب المبهم. صحة الأمعاء تؤثر على إنتاج السيروتونين (هرمون السعادة)، و90% من سيروتونين الجسم يُنتَج في الأمعاء لا الدماغ. ما يعني أن طبق الكيمتشي أو كوب الكفير الصباحي قد يُساهم حرفيًا في تحسين مزاجك.


خاتمة: استعادة الحكمة القديمة بعيون علمية

نحن نعيش في عصر يتسابق فيه الناس خلف المكملات الغذائية والحبوب والأقراص لتعزيز صحتهم، بينما الإجابة كانت موجودة دائمًا في مطابخ جداتنا. التخمير ليس "ترندًا" صحيًا عابرًا، بل هو إرث إنساني عريق يجمع بين الحكمة الغذائية والعمق الثقافي والأثر الصحي الموثّق.

ابدأ صغيرًا: أضف كوب كفير إلى صباحك، ضع ملعقة ميسو في حساءك، جرّب خبز الساوردو مرة واحدة، أو اصنع مخللك الأول في المنزل. كل خطوة صغيرة في هذا الاتجاه هي استثمار حقيقي في صحتك على المدى البعيد، وتجربة مذاق جديدة لم تعهدها من قبل، وتواصل عميق مع حكمة بشرية تمتد آلاف السنين.

المكتوبات ذات الصلة

التعليقات

يرجى تسجيل الدخول للتعليق.